فن الاختلاف على الإنترنت

لقد حولت الإنترنت الكتابة إلى حوار. فقبل وجود الشبكة وانتشارها كان الكتاب يكتبون والقراء يقرأون بدون أي تداخل ظاهر بينهما. والآن ومع انتشار المنتديات وإمكانية التعليق على مواقع الجرائد والمدونات ونحوها، أصبح لدى القراء حرية التعليق وابداء وجهات نظرهم. وغالباً ما تجد التعليقات والمشاركات تعارض المقال أو تصححه. وهذا شيء طبيعي لأن الموافق لا يحتاج لبيان موقفه، أما المخالف فعلى العكس من ذلك. وكنتيجة لهذا تجد أن الإنترنت تعج بالحروب الكلامية والاعتراضات. وهذا لا يعني أن الناس أصبحوا أكثر حدة وغضباً في عصر الإنترنت عما كانوا عليه من قبل. ولكنه التغير في الأدوات والأساليب المتاحة هي التي أظهرت هذه الاختلافات. خاصة وأن المعلقين في الإنترنت دائماً ما يحتجبون خلف ستار السرية مما قد يجعلهم يكتبون ما يتحاشون قوله وجهاً وجهاً.

ولكون الاختلاف شيء طبيعي وصحي فإنه يجب على كل مخالف أن يتعلم فن الاختلاف ويتقن أدواته حتى يُسمع منه ويكون لرأيه وجاهة فتصل فكرته ويحقق مبتغاه. وفي هذا السبيل قام الدكتور بول غراهام أحد رواد الإنترنت بمحاولة لتقعيد فن الاختلاف والمحاجة واصفاً إياه كبناء هرمي يتدرج من أكثر الأنواع شيوعاً وأضعفها حجة، إلى أندرها وأقواها، كما يلي:

 

المستوى الأول: النيل من الكاتب

هذا هو المستوى الأضعف ولكنه للأسف الأكثر انتشاراً. ويعبر عنه بتعليقات من قبيل: أنت أيها الكاتب جاهل أو مريض نفسي أو فاسد النية ونحو ذلك.
وهذا النوع ليس له وزن ولا حجة ولا وجاهة.

المستوى الثاني: التعريض بالكاتب

قد يكون للاختلافات من هذا المستوى بعض الوزن. ومثاله أن يكتب موظف في شركة ما مقالاً يطالب فيه بزيادة الرواتب ويسوق الحجج والبراهين المسوغة لطلبه. فيأتي من يعلق على مقاله ويكتب: من الطبيعي أن يطالب الكاتب بزيادة الرواتب فهو موظف في نفس الشركة.

إن هذا النوع من الاختلاف لا يدحض وجهة نظر الكاتب، ولكنه على الأقل يكون متعلق بالموضوع. ومع هذا يبقى اختلاف ضعيف جداً لا يعتد به. فلو أن في طلب الكاتب مخالفة فإنه يجب بيانها، أما إذا لم يكن هناك أي مخالفة، فما وجه الاحتجاج بكونه موظف؟! بل على العكس، قد يكون ما يطالب به حق مشروع له.

ومثال آخر على هذا النوع المنتشر من الاختلافات هو الإدعاء بأن الكاتب ليس له الحق في الكتابة عن الموضوع المطروح. وهذا الاختلاف لا مسوغ له لأن الأفكار الجديدة غالباً ما تؤخذ من أطراف خارجية. فيجب أن يبقى المعيار دائماً هل ما سطره الكاتب صحيح أم لا. فلو كان فقده للصلاحية أدى به للوقوع في الخطأ، فيجب على المخالف أن يبين هذا، أما غير ذلك فلا يعتد به.

المستوى الثالث: نقد الأسلوب

في هذا المستوى نبدأ بالتعامل مع ما هو مكتوب وليس مع من كتبه. وأول درجة هي الاعتراض على أسلوب الكاتب ومثاله: لقد شرق الكاتب وغرب في إنكاره على صور ماء زمزم المجهرية وساق أمثلة غير واضحة.

وعلى الرغم من أن هذا النوع من الاختلاف أفضل من مهاجمة الكاتب إلا أنه يبقى ضعيف الحجة. فالمفصل دائما هل ما كتبه الكاتب صواب أم خطأ بغض النظر عن اسلوبه. خاصة إذا ما علمنا بأن الحكم على الاسلوب يتفاوت من قارىء لآخر. فما تجده مقذعاً قد يجده قارىء آخر ملائماً. أضف إلى ذلك، أن بعض القراء الذين لديهم حساسية من الموضوع المطروح قد يجدون اسلوب الكاتب غير ملائم بينما هو في الحقيقة طبيعي ومنطقي.

المستوى الرابع: المعارضة

نجد في هذا المستوى أخيراً بعض الرد المنطقي على ما هو مكتوب فعلاً، وليس عن من كتبه أو كيف كتبه. وفي هذا المستوى المتدني يكون الاختلاف بسرد الرأي المخالف لرأي الكاتب بدون أي حجة أو برهان. وهذه الطريقة عادة ما تقترن بنقد الأسلوب الوارد في المستوى السابق، مثلاً يقول المخالف: لقد شرق الكاتب وغرب في إنكاره على صور ماء زمزم المجهرية. ويبدو أنه خفي عليه أن تقنية النانو والصور المجهرية علم رصين ومعروف.

قد يكون لهذه المعارضة المجردة بعض الوزن والواجهة. فوضع الرأيين المتضادين جنباً إلى جنب قد يكون كافياً لبيان أيهما أصوب. ولكن عادة يتطلب الأمر المزيد من الأدلة والبراهين.

المستوى الخامس: الحجة المضادة

نصل في هذا المستوى لأول درجة من الإختلافات المقنعة. فجميع المستويات السابقة يمكن تجاهلها كونها لا تقدم حجج مقنعة. الحجة المضادة هنا هي تلك التي تبثت شيء متعلق بالمقال ولكن يصعب تحديده بدقة. فالحجة المضادة تتكون من رأي معارض مدعوم بسبب مقنع أو دليل قطعي. فالحجة المضادة إذا توجهت إلى الموضوع الرئيس فإنها تكون مقنعة، ولكن إذا انصرفت عنه إلى القشور أو المواضيع الفرعية فإنها تفقد قيمتها. لذا فإنك قد تجد شخصين يتجادلان بحجج مضادة ولكن أي من الطرفين لا يقنع الآخر، وهذا مرده إلى أن حججهما لا تخدم فكرة واحدة في الحقيقة، بل فكرتين مختلفتين. وقد تجدهما متفقين على أمر واحد ولكن نقاشهما يستمر كون كل طرف لم يستطيع تحديد الموضوع محل النقاش بموضوعية.

إن سوق حجة مضادة غير موجهة إلى الموضوع الرئيس قد يكون مطلوب أحياناً إذا شعر المختلف أن الكاتب لم يتناول لب الموضوع الذي يكتب عنه. ولكن على المختلف في هذه الحالة توضيح هذا الآمر ومن ثم سوق حجته المضادة.

المستوى السادس: الدحض

هذا المستوى أعلى من سابقة من حيث القوة والحجة ولكنه أيضاً أقل إنتشاراً. والدحض يعتمد على تفنيد أفكار الكاتب وذلك بالاقتباس مما كتبه ودحضه. والدحض يكون ببيان الخطأ الذي وقع فيه الكاتب في العبارة المقتبسة وتبيان الصواب.

وعلى الرغم من أن هذا المستوى من الاختلاف يعتمد على الاقتباس، فإن مجرد الاقتباس لا يعتبر دحض. فالبعض يعمد إلى الاقتباس ولكنه لا يبين الخطأ ويصوبه، بل يتعامل مع النص المقتبس بمستويات أقل مثل الخامس أو الرابع أو حتى أقل من ذلك.

المستوى السابع: نقض الفكرة الرئيسة

هذا هو أقوى مستويات الاختلاف والنقد. فعلى الرغم من قوة المستوى السابق، ولكن البعض قد يلجأ إلى اقتباس نصوص تتحدث عن آراء وأفكار جانبية في المقال ويتجنب الفكرة الرئيسة للموضوع. بل قد يلجأ البعض إلى اقتباس بعض الأخطاء النحوية واللغوية ويرد عليها، وهذا يجعل الاختلاف من المستوى الثالث في الحقيقة وهو مستوى غير مقنع وقد يكون هدفه فقط التشكيك في قدرات الكاتب على تناول الموضوع.

إن نقض الفكرة الرئيسة يشابه الدحض ولكنه يتركز على لب الموضوع وفكرته الأساسية. وعليه فإن على المختلف تحديد الفكرة الرئيسة بشكل واضح ومن ثم بيان خطئها وتصحيحها. ومثال ذلك أن يكتب: إن فكرة الكاتب الرئيسة في هذا المقال هي <كيت وكيت> لأنه قال <ويورد اقتباس أو أكثر>. ولكن هذا خطأ للأسباب التالية <…> والصواب هو <…>

ولا يلزم لتحقيق هذا المستوى من النقض اقتباس نص الكاتب الذي يمثل الفكرة الرئيسة. بل يمكن اقتباس نص آخر من المقال اعتمد عليه الكاتب لتدليل على فكرته الرئيسة.

ولكن من هو المصيب؟

والآن وقد أصبح لدينا معيار لتصنيف الاختلافات، فإن علينا معرفة أن هذا التقسيم لا يخبرنا بمن هو على صواب. فهذه المستويات تصف أسلوب الرد المخالف فقط ولا تحكم على صحته. فمثلاً، قد يحاول شخص ما نقض فكرة الكاتب الرئيسة باستخدام طريقة المستوى السابع. فيُعرِّف الفكرة ويقتبس ما يدلل عليها ثم يدحضها. ولكن قد يكون هذا الشخص على خطأ والصواب هو ما قرره الكاتب.

إن مستويات فن الاختلاف تساعدنا في معرفة الردود عديمة النفع منذ البداية. وحتى لو حاول أحدهم الخداع واستخدم كلمات قوية ومباشرة، فإننا سنتمكن من كشفه وعدم الأخذ بآرائه. فأي رد من المستوى الثالث فما دون يجب أن لا يتلفت له. بينما الردود من المستويات الأعلى تحتمل الصواب والخطأ. فهذا التقسيم يجعلنا قادرين على تقييم ما نقرأه ومعرفة الردود التي يجب تجاهلها مباشرة وتلك التي ينبغي التفكر فيها.

كما أن هذا التصنيف سيساعد المخالفين على الارتقاء بأساليبهم وإيصال أفكارهم إلى القراء. فغالبية المخالفين لا يرغبون في أن يسيؤون إلى من يخالفونهم، ولكن بسبب عدم إمتلاكهم للأساليب المناسبة، فإنهم غالباً ما يقعون في الإساءة. ولكن وبالأخذ بهذا التصنيف، فإنه يمكنهم إيصال وجهات نظرهم بأدب رفيع وحجة قوية.

آمل أن تساعد مستويات فن الاختلاف إلى إيجاد بيئة حوار خصبة لتناقل الأفكار والرؤى بين الأطراف الثلاثة (الكتاب والمعلقين والقراء) بعيداً عن الإسفاف والتجريح. والله الموفق.

______________
المصادر:
1) http://www.paulgraham.com/disagree.html
2) http://blog.createdebate.com/2008/04/07/how-to-write-strong-arguments/

0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *