ألغاز الفيزياء التسعة الغامضة

بقلم: ناتالي ولتشوفر*

في عام ١٩٠٠م، قال عالم الفيزياء البريطاني لورد كلڤن: «لا يوجد شيء جديد ستكتشفه الفيزياء بعد اليوم. ما بقي هو مجرد زيادة دقة القياسات الحالية.» ولكن خلال ثلاثة عقود من كلامه هذا، أحدثت ميكانيكا الكم ونسبية أينشتاين ثورة في علم الفيزياء!

لا يجرؤ اليوم أي عالم فيزياء على الزعم بأن معرفتنا بالكون قد شارفت على تمامها. بل على العكس، كل اكتشاف جديد يفتح على ما يبدو «صندوق أسرار» أكبر من الذي سبقه، ويعمق أسئلة الفيزياء المبهمة. وفي هذا المقال، اخترنا ٩ من هذه الأسئلة المحيّرة.

٩. ما هي الطاقة المعتمة؟

مهما حاول العلماء مع أرقامهم وقياساتهم، يبقى الكون عصي على الجمع والإحاطة. فعلى الرغم من أن الجاذبية تجذب مكونات الزمان والمكان (أو الزمكان وهو النسيج المكون للكون) إلى بعضها البعض، إلا أن الكون يستمر بالتوسع وتتباعد أجزاءه بوتيرة أسرع وأسرع. وللتعامل مع هذا التناقض، اقترح علماء الفيزياء الفلكية قوة غير مرئية أسموها «الطاقة المعتمة» تعاكس الجاذبية وتقوم بدفع وتوسيع الكون.

تبدو الطاقة المعتمة في أكثر نماذجها قبولاً على شكل «ثابت كوني» وهو خاصية من خصائص الكون تملك «قوة ضغط سالبة» تعمل على تفريق وتباعد الكون. وهذا التباعد يؤدي لنشوء فضاء أكبر وبالتالي طاقة معتمة أكثر.

وبناءاً على المعدل المعروف لتوسع الكون، يقدر العلماء مجموع الطاقة المعتمة بـ ٧٠٪ من إجمالي الكون. وعلى الرغم من هذه الكمية المهولة ، إلا أنه لا أحد يعرف كيف يجد الطاقة المعتمة أو يتعامل معها!

٨. ما هي المادة المعتمة؟

حوالي ٨٤٪ من المادة في الكون لا تمتص ولا تشع الضوء. «المادة المعتمة» كما تُسمى لا يمكن رؤيتها مباشرة، كما لا يمكن اكتشافها بطريقة غير مباشرة. بدلاً عن ذلك، فإن معرفتنا بوجودها جاء من ملاحظة تأثير جاذبيتها على المواد المرئية وعلى الإشعاعات والبنية الكونية.

لاحظ العلماء أن هذه المادة الغامضة تتخلل أطراف المجرات، وأنها قد تتكون من «جزئيات ضخمة ضعيفة التفاعل» WIMPs.

يوجد حول العالم عدة كاشفات تعمل لاكتشاف المادة المعتمة. ولكن وحتى الآن لم يتمكن أحد من اكتشافها. [لمزيد من المعلومات، راجع مقال: إذا لم تكن مادة معتمة، فما هي إذن؟]

٧. لماذا يسير الوقت في اتجاه واحد؟

يتقدم الوقت في اتجاه واحد بسبب خاصية في الكون تسمى «إنتروبيا»، وهي تعني تقريباً مستوى الفوضى. الإنتروبيا تزيد فقط ولا تنقص، أي أنه لا يوجد طريقة لعكس زيادة الإنتروبيا بعد حدوثها.

إن زيادة الإنتروبيا هو شيء منطقي، ذلك أن النظم الفوضوية أكثر من النظم المرتبة في هذا الوجود. وعليه، فتغيرت الأشياء يؤدي بها للوقوع في الفوضى. والسؤال المنطقي هنا، لماذا كانت الإنتروبيا منخفضة جداً في الماضي؟ أو بمعنى آخر، لماذا كان الكون مرتباً أكثر عندما بدأ، وعندما كانت كمية ضخمة من الطاقة مجمعة في حيز صغير؟ [لمزيد من المعلومات، راجع مقال: ما هو إجمالي الطاقة في الكون؟]

٦. هل يوجد أكوان موازية لكوننا؟

تشير بيانات الفيزياء الكونية إلى أن شكل الزمكان «مسطح»، وليس منحني. وعليه، فإنه يتمدد إلى ما لانهاية. فإذا كان الأمر كذلك، فإن المنطقة التي نراها ونعتبرها «الكون» هي مجرد «رقعة» واحدة في «متعددة كونية» كبيرة بشكل لانهائي.

في ذات الوقت، تشير ميكانيكا الكم لوجود عدد محدد من الأوضاع التي يمكن أن تتراكب فيها الجزئيات في كل كون (١٠^١٠^١٢٢ وضع محدد).

ينتج مما سبق، أن تراكب الجزئيات لابد أن يتكرر في كل رقعة كونية ضمن المتعددة الكونية اللامنتهية. وهذا يعني وجود أكوان متوازية تشبه كوننا تماماً (ربما أن هناك نسخ لامتناهية منك شخصياً في تلك الأكوان!). كما ويعني وجود أكوان مختلفة عن كوننا ربما في جزيء واحد على الأقل، وأكوان أخرى مختلفة عنه في كل شيء تقريباً.

هل يوجد خطأ في هذا المنطق؟ أم أن نتيجته الغريبة عن الأكوان الموازية هي حقيقة؟ فإذا كانت حقيقة، هل يمكننا يوماً اكتشاف وجود كون موازي من تلك الأكوان؟

٥. لماذا توجد مادة أكثر من المادة المضادة؟

السؤال عن سر وجود المادة العادية أكثر من مضادتها المشحونة بشحنة معاكسة وتدور عكس اتجاهها، هو في الحقيقة سؤال عن سر الوجود ذاته.

الافتراض البدهي هو أن الكون لا يفرق بين المادة والمادة المضادة وسيعامل الجميع بشكل متماثل، أي أنه في وقت الانفجار العظيم، سينتج كميات متساوية من المادة والمادة المضادة. ولكن لو حدث ذلك، فإنهما سيفنيان بعضهما البعض! إذ ستلغي البروتونات مضادات البروتونات، وستلغي الإلكترونات البيزوترونات (مضادات الإلكترونات)، وستلغي النيوترونات مضادات النيوترونات، وهكذا دواليك. والمحصلة ستكون مجرد بحر من الفتونات دون وجود أي مادة.

ولكن ولسبب ما، كان هناك كمية كبيرة من المادة لم تفنى. ولحد الآن لا يوجد تفسير يشرح سبب ذلك.

٤. ما هو مصير الكون؟

يظن العلماء أن مصير الكون المادي يعتمد بدرجة كبيرة على معامل غير معروف القيمة: Ω ، وهو مقياس كثافة المادة والطاقة في الكون. فإذا كان Ω أكبر من ١، فإن الزمكان «مغلق» كسطح كرة هائلة. فإذا لم توجد طاقة معتمة، فإن هذا الكون الكروي سيتوقف عن التمدد وسيبدأ في الانكماش حتى يدمر نفسه في عملية تُسمى «الإنهيار العظيم». أما إذا وجدت مادة معتمة، فإن هذا الكون الكروي يستمدد ويتوسع إلى ما لانهاية.

أما إذا كانت Ω أصغر من ١، فإن شكل الكون مفتوح ومنبعج مثل السرج. وفي هذه الحالة، فإن مصيره «التجمد العظيم» متبوعاً بـ «التمزق العظيم». أي أن تسارع تمدد الكون سيمزق المجرات والنجوم إلى أجزاء مبقياً جميع المادة متجمدة ومنعزلة. وبعد ذلك، سيزداد التسارع بشكل قوي جداً لدرجة سحق القوى التي تبقي الذرات معاً، وسيكون كل شيء حينها ممزقاً إرباً إرباً.

أما إذا كانت Ω = ١، فهذا يعني أن الكون مسطحاً ويتمدد منبسطاً في جميع الاتجاهات لانهائياً. فإذا لم يكن هناك طاقة معتمة، فسيتمدد الكون بشكل مستمر ولكن متباطئ، حتى تحين لحظة يتوقف فيها تمدده هذا. أما إذا كانت الطاقة المعتمة موجودة، فإن الكون المسطح سيستمر بالتمدد حتى يحل به «التمزق العظيم» في النهاية.

وعموماً، ما هو مقدر للكون أن يحدث، سيحدث.

٣. كيف تتحطم الموجات الكمومية عند قياسها؟

في عالم الإلكترونات والفتونات وغيرها من الجسيمات الأولية، يكون القانون السائد هو ميكانيكا الكم. فهذه الجسيمات لا تتصرف ككرات صغيرة، وإنما كموجات تنتشر على مساحة كبيرة.

يوصف كل جسيم بـ «معادلة موجية»، تعطي توزيع محتمل لموقع ذلك الجسيم وسرعته المحتملة وخصائصه المحتملة الأخرى. أي أن المعادلات الموجية تعطينا مدى من القيم لكل خاصية من خصائص الجسيم، وليس ماهية وقيم تلك الخصائص بالتحديد. ولكن بمجرد أن نحاول قياس إحدى تلك الخصائص، كموقع الجسيم مثلاً، فإن المعادلة الموجية للجسيم تنهار ويحتل الجسيم حينها موقعاً واحداً فقط. [معلومات أكثر في مقال: الأطفال حديثي الولادة يفهمون ميكانيكا الكم!]

كيف ولماذا يؤثر قياس الجسيم على معادلته الموجية ويجعلها تنهار مؤدياً إلى نشوء واقع محدد كما الذي ندرك وجوده فقط؟ الجواب غير معروف. تُعرف هذه المسألة بمعضلة القياس، وهي قد تبدو خاصة ومحدودة التأثير، ولكن فهمنا للواقع، إذا ما كان موجوداً فعلاً كما نظنه موجوداً، يعتمد على كشف سر هذه المعضلة.

٢. هل نظرية الأوتار صحيحة؟

عندما يفترض الفيزيائيون أن جميع الجسيمات الأولية هي عبارة عن حلقات أو «أوتار» أحادية الاتجاه، وأن كل منها يتذبذب بتردد مختلف، فإن الفيزياء حينها تصبح سهلة!

تُمَكِّن نظرية الأوتار الفيزيائيين من دمج القوانين الحاكمة للجسيمات (ميكانيكا الكم) مع القوانين الحاكمة للزمكان (النسبية العامة) وتوحيد قوى الطبيعة الرئيسة الأربع في إطار هيكلي واحد.

تعمل نظرية الأوتار في كون له ١٠ أو ١١ بُـعداً. ثلاثة من هذه الأبعاد هي أبعاد مكانية كبيرة، وستة أو سبعة هي أبعاد مكانية مضغوطة، وبُعد زماني واحد. المشكلة أن الأبعاد المكانية المضغوطة بالإضافة إلى الأوتار ذاتها يبلغ قياسها جزء من المليار من التريليون من حجم نواة الذرة. ولا يوجد طريقة تمكننا من قياس شيء بهذا الصغر. ولذلك لا يوجد طريقة معروفة يمكننا بواسطتها تجربة واختبار نظرية الأوتار وتأكيد صحتها أو نفيها.

١. هل يوجد نظام في الفوضى؟

لا يستطيع الفيزيائيون حل مجموعة العادلات بالضبط التي تصف حركة الموائع، كالهواء والماء وغيرها من الغازات والسوائل. وفي الحقيقة، لا يُعرف حتى الآن إذا ما كان يوجد حل عام لمعادلات نافييه-ستوكس الشهيرة. وحتى لو وجد حل، فإنه لا يُعرف هل سيصف الموائع في كل مكان أم هل سيحتوي على نقاط غير معروفة تُسمى المتفردات.

ونتيجة لهذا، فإن طبيعة الفوضى غير مفهومة بشكل جيد حتى الآن. فالفيزيائيون والرياضياتيون يتساءلون هل يصعب توقع الطقس بكافة تفاصيله، أم أنه غير قابل للتوقع أصلاً؟ وهل الاضطراب يتجاوز قوانين الرياضيات، أم يمكن فهمه باستخدام أدوات الرياضيات الصحيحة؟


0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *