الحرية الموهومة (١)

الحرية الكاملة تتطلب قدرة مطلقة، وهذا ما لا نملكه البتة. لذا، فالحرية بالنسبة لنا وَهْمٌ لا وجود له!

نحن سجناء هذا الوجود، محكومون بقوانينه وأنظمته ومحاصرون ضمن حدوده. لا يمكننا التحرر أو الهرب أو حتى التمرد والعصيان! نحن عبيد بطبعنا مهما فعلنا. نعم، نحن عبيد! إذ لا يمكن لكائن يملك إدراكنا المحدود وقوانا الضعيفة وآلامنا المعيقة وأعمارنا القصيرة إلا أن يكون عبداً لمن هو أقوى منه وأقدر، متى ما وُجِد ذلك الأقوى والأقدر. وعليه، فنحن موجودن لكي نكون عبيداً، شئنا ذلك أم أبينا!

غير أنه من الصعب أن نقنع أنفسنا بأننا عبيد ولسنا أحراراً، وذلك ببساطة لأن داعي الحرية ينادي في دواخلنا. وهذا يضعنا في حيرة وتناقض! فمن جهة نحن عبيد بحكم الواقع ومن جهة أخرى هناك رغبة فطرية في دواخلنا تنشد الحرية! فكيف يمكن الجمع بين هذين النقيضين؟ بين واقعنا القاهر ورغبتنا الفطرية؟

لقد وجد الإنسان عبر تاريخه الطويل على هذه الأرض صيغة تصالحية مع الطبيعة والوجود ترضي تطلعه للحرية إلى حد ما. فلقد افترض أن قيود الوجود لا تهدد حريته ولا تتعارض معها. وبعبارة أخرى، فلقد استسلم الإنسان للوجود واعتبر ذلك ضرورة، وهذا لأنه ببساطة لا يملك خياراً آخراً! كما أنه خطا خطوة أكثر تقدماً وطوّع أفعاله لكي تستخدم أو تتوافق مع قوانين الوجود، ولم يجعل هذا من قبيل قهره واستسلامه للوجود، وإنما عدّه من الحكمة والذكاء الذي يتمتع به. وهناك من تقدم أكثر من ذلك وجعل أعمال الإنسان الاختيارية التي تتوافق مع قوانين الوجود والطبيعة من الحرية. أي طالما أن الإنسان اختار القيام بما يمليه عليه وجوده ولم ينتظر حتى يتم فرض ذلك عليه فرضاً، فإنه بهذا يُعتبَر حُراً.

وبعد هذا التصالح مع الطبيعة والوجود الأصمّين، قام الإنسان بتوجيه رغبته في الحرية إلى التحرر من قيود غيره الذين هم من بني جنسه، فغدا لا يقبل أن يقيد حريته إنسان آخر مثله أو أن يفرض عليه شيئاً لا يريده. ولكن هل يكفي هذا الاستسلام للطبيعة ومقارعة الأنداد حتى تنتظم حياة الإنسان؟ إن داعي الحرية داخل الإنسان ينازعه حقيقة كونه مخلوق اجتماعي لا يمكنه العيش بمفرده، فهو ينشد الاختلاط بغيره من بني جنسه والتعايش معهم. وهذا يحتم عليه التخلي مجدداً عن بعض حريته المنشودة من أجل المجتمع. فيقبل بالأنظمة والقوانين التي يتوافق عليها المجتمع، ويأخذ أيضاً بالأعراف والطبائع السائدة كي لا يُنبذ أو يشعر بالغربة.

غير أن الإنسان لم يستسلم بالكليّة للمجتمع كما استسلم لقوانين الوجود والطبيعة. وذلك لأنه يعرف أنه جزء من المجتمع، يملك فيه من الحقوق مثل ما يملك غيره، وأنه يستطيع طرح رأيه فيه والتأثير عليه. ومن هنا وجد الإنسان باباً يمكنه العبور من خلاله لممارسة حريته ضمن مجتمعه. إنه باب حرية التعبير والتنظيم والتجمعات والنقد والنقاش والإعلام. إلا أن العابر من هذا الباب كثيراً ما يصطدم: بسلطة المجتمع باسم العادات والتقاليد، أو بسلطة الدين باسم العقيدة والموروث، أو بسلطة الحكم باسم الحفاظ على الأمن والاستقرار.

إن هذه العوائق الثلاثة (العادات والتقاليد والموروث الديني والسلطة الحاكمة) حددت ساحات معارك الأحرار على مدى التاريخ. وفي هذه الساحات تشكلت مفاهيم الاستبداد والقهر والكفاح والنضال. نعم، لقد خاض الأحرار معاركهم طوال التاريخ ضد هذه العوائق، ولكنهم في الحقيقة لم يحاربوها غالباً من أجل طمسها وإزالتها بالكليّة، وإنما من أجل ترشيدها وتطهيرها مما علق بها من أطماع الإنسان واستبداده وظلمه.

وفي نهاية المطاف، يبقى الإنسان بعيداً عن الحرية المطلقة الكاملة! فهو مستسلم لقوانين الوجود بسبب عجزه حيالها، ومتنازل عن بعض حريته للمجتمع بسبب حاجته إليه. ولهذا يحق لنا القول أن حرية الإنسان الكاملة مجرد وهم! وسنناقش في المقال القادم كيف أن حرية الإنسان الواقعية لابد أن تكون عملاً عقلانياً اختيارياً، لا عاطفياً ولا ثورياً. وسنضرب مثال على ذلك ونناقشه.

0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *