لماذا لا تستطيع الصين صناعة أشباه الموصلات؟ بعد عقود من الفشل، قد تكون الآن على المسار الصحيح.

مقال للكاتب: آدم منتر – المصدر: بلومبيرغ، ٣٠ أبريل ٢٠١٨ – ترجمة: منصور الغامدي

يقول جاك ما [مؤسس شركة علي بابا] بأنه جاهز لكي تصنع الصين رقائق أشباه الموصلات محلياً [ولا تعتمد في ذلك على الولايات المتحدة]. وهذا طالما كان هدفاً للحكومة الصينية. وبسبب القيود الحديثة على تصدير بعض التقنيات إلى الصين، فإن هذا الهدف قد يغدو مُلِحَّـاً اليوم. السؤال هو: هل تستطيع الصين تخطي هذه العقبة بعد عقود من الفشل؟

أشباه الموصلات هي العناصر الأولية في صناعة الإلكترونيات الموجودة في كل شيء حولنا تقريباً، من أجهزة الهاتف إلى الخوادم المكونة للحاسبات العملاقة. ومع أن الصين أتقنت منذ زمن بعيد صناعة الأجهزة باستخدام أشباه الموصلات المستوردة (آيفون قد يكون أشهر الأمثلة)، إلا أنها تريد تجاوز دور تجميع تلك الأجهزة. إنها تطمح لأن تكون مصدراً للأفكار وللمنتجات كاملة، خاصة في المجالات المتقدمة مثل صناعة السيارات ذاتية القيادة. ومن أجل ذلك، تحتاج الصين لأشباه الموصلات الخاصة بها.

إن هذا ليس بالتحدي السهل. الصين حالياً هي أكبر سوق لرقائق أشباه الموصلات، ولكنها تصنع فقط ١٦٪ من الرقائق التي تستخدمها محلياً. وهي تستورد ما قيمته ٢٠٠ مليار دولار سنوياً من هذه الرقائق، وهو المبلغ الذي يتجاوز وارداتها من النفط. ولغرس الصناعة محلياً، قامت الحكومة بخفض الضرائب على مصانع الرقائق، وتخطط لاستثمار ما مقداره ٣٢ مليار دولار لكي تصبح قائدة العالم في مجالي التصميم والتصنيع. ولكن كما يخبرنا التاريخ، فإن الإنفاق لوحدة لا يكفي في هذا المجال.

صنعت الصين أول شبه مُوصّل في سنة ١٩٥٦م، أي بعد فترة وجيزة من اختراع التقنية في أمريكا. ولكن بسبب اضطرابات «الثورة الثقافية» فقدت الزخم الذي امتلكه علماءها ومهندسوها في هذا المجال. وعندما أعادت الدولة فتح أسواقها للعالم خلال عقد السبعينات من القرن الماضي، أدركت سريعاً أن أشباه الموصلات ستكون حجر الزاوية في اقتصادها المستقبلي.

ومنذ البداية، مَثَّلَ التخطيط المركزي الذي انتهجته الحكومة الصينية عائقاً. فكرت الحكومة أولاً في استيراد خطوط إنتاج أشباه الموصلات المستخدمة من اليابان. ولكن تلك الخطوط تلك كانت خارج المنافسة حتى قبل وصولها. وخلال عقد التسعينات، خططت الحكومة لإنشاء صناعة محلية دون الاعتماد على الخارج ورصدت مبالغ كبيرة لذلك، ولكنها تعثرت بسبب البيروقراطية والتأخير وعدم وجود زبائن فعليين لنوعية الرقائق المخطط إنتاجها.

ضعف آخر عانت منه الصين في هذا المجال، وهو قلة رأس المال التجاري. فخلال عقود، كانت الصناعات المعتمدة على رخص اليد العاملة –مثل تجميع أجهزة الهاتف –هي التي تجذب المستثمرين الصينيين من رواد الأعمال والشركات الحكومية على السواء. وفي المقابل، فإن صناعة أشباه الموصلات تتطلب استثمارات مبدئية بالمليارات وقد تتأخر عائداتها إلى عقد من الزمن أو أكثر. في سنة ٢٠١٦م مثلاً، أنفقت شركة إنتل فقط مبلغ ١٢،٧ مليار دولار على البحث والتطوير. وقليل من الشركات الصينية –إن وجِدت أصلاً –تمتلك القدرة أو الخبرة لاستثمار مبالغ كهذه في مجال أشباه الموصلات. كما أن مخططي الحكومة عادة ما يعارضون الإنفاق بهذا الحجم على مشاريع خطيرة أو بعيدة الجدوى كهذه.

يبدو أن الصين باتت تدرك هذه المشكلة. فمنذ عام ٢٠٠٠م، تحولت الحكومة من الدعم الثانوي لأبحاث وإنتاج أشباه الموصلات إلى الاستثمار بفعالية، وهي تأمل أن تلعب قوى السوق دوراً أكبر في هذا المجال. ومع ذلك، فإن التمويل يُساء توجيهه! فخلال السنة والنصف الماضية، كان هناك فيضان من الاستثمار الحكومي في مصانع أشباه الموصلات والتي تفتقر معظمها إلى التقنية الكافية. والمصانع التي سوف تنتج فعلياً ستسهم في إغراق السوق بشرائح الذاكرة، مما سيؤدي إلى مشاكل مالية للصناعة المحلية.

قد يكون أكبر تحدي طويل المدى يواجه الصين هو استحواذها على التقنية العالية. ومع أن الحكومة تريد تطوير الصناعة معتمدة على الداخل، فإن أفضل مجهوداتها مازالت متأخرة عن أمريكا بجيل أو جيلين. الحلول المنطقية أمامها هي شراء التقنية من شركات أمريكية أو من شركاء تلك الشركات. وهذا هو المسار الذي سارت فيه الشركات اليابانية والكورية والتايوانية.

المشكلة أن الصين لا يمكنها السير على هذا المسار. فمحاولاتها شراء شركات أشباه موصلات أمريكية (بمبالغ عالية عادة) يتم إفشالها لأسباب أمنية. وهذا ما تفعله أيضاً اليابان وكوريا وتايوان لمنع الصين من شراء شركاتها. وعلى سبيل المثال، تقدمت الصين بعطاءات بلغت قيمتها ٣٤ مليار دولار لشراء شركات أشباه موصلات أمريكية عام ٢٠١٥م لوحده، ولكنها تمكنت من إتمام صفقات بقيمة ٤،٤ مليار دولار فقط على الصعيد العالمي.

وعلى الرغم من هذه المعوقات، فلقد حققت الصين بعض التقدم خلال الأعوام الأخيرة. فشركات مثل Spreadtrum Communications Inc. تقوم بتصميم رقائق أشباه موصلات لأجهزة الهاتف المحمولة، ثم توكل أمر تصنيعها إلى شركات خارج الصين. كما أن استثمار الصين الكبير في مصانع تنتج رقائق قديمة ومنخفضة التقنية قد وفرت مدراء ومهندسين وعلماء محليين متمرسين وذوي خبرة في مجال صناعة أشباه الموصلات.

ومع ذلك، فلن تؤدي هذه المحاولات إلى تسريع صناعة أشباه الموصلات في الصين، كما يطمع جاك ما والمسؤولون الحكوميين. ولكن هذه المحاولات قد تكون اللبنة الأساسية لبناء صناعة مستقبلية يحقق حلم الصين المستمر منذ أكثر من نصف قرن.

0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *